سيد محمد طنطاوي
11
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وروى مثل هذا التفسير عن عمر بن الخطاب ، وعن ابن عباس . « 1 » . ومن العلماء من يرى أن هذه الألفاظ جميعها صفات للرياح . قال الإمام الرازي . هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات : هي الرياح التي تنشئ السحاب أولا . والحاملات : هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار الماء . . . والجاريات : هي الرياح التي تجرى بالسحب بعد حملها . والمقسمات : هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار « 2 » . ومع وجاهة رأى الإمام الرازي في هذه المسألة ، إلا أننا نؤثر عليه الرأي السابق ، لأنه ثابت عن بعض الصحابة ، ولأن كون هذه الألفاظ الأربعة لها معان مختلفة ، أدل على قدرة اللَّه - تعالى - وعلى فضله على عباده . وقد تركنا أقوالا ظاهرة الضعف والسقوط . كقول بعضهم : الذاريات هن النساء ، فإنهن يذرين الأولاد ، بمعنى أنهن يأتين بالأولاد بعضهم في إثر بعض ، كما تنقل الرياح الشيء من مكان إلى مكان . قال الآلوسي : ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات - كما هو الرأي المعول عليه - فالفاء للترتيب في الأقسام ذكرا ورتبة ، باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على كمال قدرته - عز وجل - وهذا التفاوت إما على الترقي أو التنزل ، لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه وأدنى من آخر . وإن حملت على واحد وهو الرياح ، فهي لترتيب الأفعال والصفات ، إذ الريح تذرو الأبخرة إلى الجو أولا ، حتى تنعقد سحابا ، فتحمله ثانيا ، وتجرى به ثالثا ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها اللَّه - تعالى - ثم تقسم أمطاره « 3 » . وقوله : * ( إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ) * جواب القسم . و « ما » موصولة والعائد محذوف ، والوصف بمعنى المصدر . أي : وحق هذه الأشياء التي ذكرتها لكم إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب والبعث . . لصدق لا يحوم حوله كذب أوشك . ويجوز أن تكون « ما » مصدرية . أي : إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق . وقوله : * ( وإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ) * تأكيد وتقرير لما قبله . أي : وإن الجزاء على الأعمال لواقع
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 391 . ( 2 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 628 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 3 .